فن العيش
الأناقة حول فنجان قهوة
رقيّ قضاء الوقت في المقهى: نبرة الحديث، وقدر الموسيقى، وتوازن الخدمة.
نذهب إلى المقهى أحيانًا لنتحدث مع صديقة أو صديق، وأحيانًا لنقرأ كتابنا، وأحيانًا لنخفّف تعب النهار بفنجان قهوة. نجلس في المكان نفسه بتوقعات مختلفة. وما يجعل هذا الفضاء المشترك ممتعًا هو العناية التي نوليها لراحة بعضنا بعضًا.
آداب المقهى أوسع بكثير من طلب الطعام أو طريقة إمساكنا بالفنجان. فمدى وصول أصواتنا إلى الطاولات الأخرى، ومكالماتنا الهاتفية، واختيار المكان لموسيقاه، والعلاقة التي يبنيها مع روّاده أثناء الخدمة، كلها جزء من هذه التجربة.
ليبقَ حديثنا على طاولتنا
من الطبيعي أن نتحمّس ونضحك ونبتهج في خضمّ حديث جميل. لكن الحديث بصوت عالٍ لفترة طويلة، أو إغراق الأحاديث من حولنا بضحكات متتالية متصاعدة، يضيّق على الآخرين مساحة راحتهم وحديثهم.
المقياس بسيط: على من يجلس معنا أن يسمعنا بسهولة، وعلى من يجلس إلى الطاولة المجاورة ألّا يضطر إلى متابعة كل تفاصيل حديثنا. وإذا بدأ من حولنا برفع أصواتهم بسبب أصواتنا، فربما حان وقت الحديث بصوت أخفض قليلًا.
وحادثةٌ نرويها، أو شأنٌ عائلي، أو اجتماع عمل، لا ينبغي أن يتحوّل من حيث لا ندري إلى حديث المقهى كله. وحماية خصوصيتنا سلوك أنيق بقدر ما هو احترام لمن حولنا.
من على الطرف الآخر من الهاتف يسمعنا؛ ولا حاجة إلى أن يسمعنا المقهى كله

حين يرنّ الهاتف، يمكن في أغلب الأحيان إجراء مكالمة قصيرة بصوت خافت. أما إذا طالت المكالمة، أو تحوّلت إلى جدال، أو اضطررنا إلى رفع صوتنا، فالانتقال إلى مكان أنسب هو الخيار الأكثر مراعاةً للآخرين.
والتحدث عبر مكبّر الصوت، أو إسماع الرسائل الصوتية لمن حولنا، أو مشاهدة المقاطع بصوت مرتفع، كلها تُخلّ بهدوء الفضاء المشترك. أما استخدام سماعات الأذن، وخفض أصوات الإشعارات، وإبقاء المكالمات قصيرة، فهي لفتات صغيرة لكنها فعّالة.
لا تطغَ الموسيقى على الحديث
موسيقى المقهى ترسم طابع المكان وأجواءه. لكن إذا كان مستوى الصوت يُجهد شخصين يجلسان وجهًا لوجه كي يسمع أحدهما الآخر، فإن الموسيقى تفقد متعتها.
واختيار الموسيقى لا يقل أهمية عن مستوى صوتها. فمجموعة تناسب هوية المكان، وساعة النهار، والتجربة التي يريد تقديمها، تُكمل الأجواء. أما الانتقالات الحادة في الصوت، والمقطوعات التي ترتفع فجأة، والموسيقى التي تُعزف طويلًا بشدة مُرهقة، فقد تنتقص من راحة الجالسين.
وينبغي أن يستطيع الضيف التعبير عن انزعاجه بلطف: «هل يمكنكم خفض صوت الموسيقى قليلًا؟ نجد صعوبة في سماع بعضنا بعضًا.» وتلقّي المكان لهذا الطلب باهتمام يدل على القيمة التي يوليها لضيوفه.
للخدمة المراعية مقياسها أيضًا

الخدمة الجيدة هي أن تلحظ حاجة الضيف وأن تترك له في الوقت نفسه مساحة مريحة. فالوقوف الدائم إلى جانب الطاولة، ومراقبة كل حركة، أو محاولة رفع الفناجين والأكواب كل بضع دقائق، قد تشعر الضيف بأنه مستعجَل أو بأن المطلوب منه أن ينهض.
قد تبقى في الفنجان رشفة أخيرة. وقد يرغب الضيف في مواصلة حديثه حتى بعد أن أنهى مشروبه. وعند رفع ما على الطاولة، يحفظ سؤال قصير مثل «هل يمكنني أن آخذه؟» اللطف واحترام رغبة الضيف معًا.
الطاولة النظيفة المرتبة مهمة؛ لكن الخدمة لا ينبغي أن تتحول إلى تدخّل يقاطع الحديث باستمرار.
أن نكون في المتناول عند الطلب

حين يتردد الموظفون كثيرًا لرفع الأكواب، ثم لا يوجد أحد منهم عندما يريد الضيف طلبًا جديدًا أو الحساب، يختلّ توازن الخدمة.
وأن يضطر الضيف إلى التلفت طويلًا، أو رفع يده مرارًا، أو النداء بصوت عالٍ، يُصعّب تجربة المقهى المريحة. فالخدمة المتقنة تقتضي متابعة القاعة، وتبادل النظرات، والتواجد في المتناول وقت الحاجة.
ومن جهة الضيف، ينبغي أن تكفي نظرة قصيرة أو يد مرفوعة برفق. أما النقر بالأصابع أو الصفير أو مناداة العاملين بالصياح فليس طريقة أنيقة لطلب الخدمة.
لنُعبّر عن انزعاجنا بأناقة أيضًا
حين نواجه مشكلة، يمكننا أن نقولها بجملة قصيرة واضحة بدل أن نكتمها حتى نتصلّب:
«لم أنتهِ من فنجاني بعد، هل يمكن أن يبقى قليلًا؟»
«نود أن نطلب حين تكونون متفرغين.»
«هل يمكنكم خفض صوت الموسيقى قليلًا؟»
أن نكون لطفاء لا يعني أن نخفي انزعاجنا. بل أن نستطيع التعبير عن حاجتنا مع صون كرامة الطرف الآخر.
الأناقة في المقهى تُحَسّ في الأجواء التي يصنعها الضيف والمكان معًا. وفي مكان لا يرهق فيه الحديثُ من حولنا، وتترك فيه الموسيقى مساحة للكلام، وتكون فيه الخدمة في المتناول عند الحاجة، تطول متعة فنجان القهوة أيضًا.
